حوار مع الطبيب النصراني أبي عبد الله الديغولي !

د. سعد العتيبي  | 3/9/1429

في مدينة ياوندي الجو ممطر بارد لطيف ، حيث بداية فصل الشتاء ! والملتقى التطويري قد بدأ والوقت يضيق عن أي عمل هامشي ، اللهم إلا ما كان من زيارات يسيرة كانت إحداها زيارة أبي عبد الله النصراني .. إذ كانت من تراتيبنا الهامشية ، وأبو عبد الله النصراني طبيب متقدم في السنّ ، ذو ثقافة جيدة ، ويعد من أعيان قومه ، وله أتباع كثر ، وهو متدين جدا ، ومما يؤكّد ذلك وجود مقعد خاص له في الكنيسة ! وقد جرى بيننا حوار هاديء ولطيف .. رأيت من المناسب عرض بعض ما جرى فيه .. وهو ما وافق اقتراحا سابقا من بعض الإخوة ..

اتصل ظهراً يسأل : إنني أنتظركم ؟
قلت لابنه : أنا لم أعده بزيارته اليوم ، أرجو أن لا يكون قد فهم منا موعداً ؟
قال : كلا ، لقد قلت له : ربما نتمكن من زيارتك صباحا ..
قلت : حسنا ..

وصلنا منزله ، وأدخلَنا داره مرحبا .. شكرته على دعوتي إلى منزله وأنا أشاهد التلفزيون أمامي يبث ما يشبه موعظة دينية نصرانية مما أكد لي صحة ما وصف به من التدين ، كنت أرمق شاشة التلفاز التي بين ناظري بين حين وآخر ، وانتهت الموعظة وتبعها حوار مع قس ، وكان الصوت مُخَفَّضا فيما يبدو ..

جلس الطبيب وزوجه وبعض أولاده معنا ، ثم طلب من أولاده الخروج عن مكان لقائنا وبقي بيننا هو وزوجه .. و جاءت إحدى بناته - بإشارة منه على ما يبدو - فأغلقت التلفزيون وانصرفت إلى داخل الدار ..

ثم بدأ حوار لم أكن من بدأه .. فقد طرح علي سؤالا مبطنا ، مهّد له بتكرار الترحيب قائلا : نحن نرحب بكم ، ونتمنى أن لا تقتصر جهودكم على المواعظ الروحية ؟

قلت له : أكرر شكري لك على هذه الاستضافة ، كما أشكرك على هذا التفكير الناصح .. نعم قدِمَت إلى بلادكم مجموعات ، إحداها التي جئت فيها ، وهي لم تأت لتقديم مواعظ روحية فقط .. كلا .. لقد جئنا لنقدم للشباب الذين منهم ابنك هذا دوراتٍ تدريبية في التخطيط ، وفن إدارة الوقت ، والتفكير الإبداعي ، وتدريبهم على كيفية التعايش مع الآخرين وفق القوانين الإسلامية السمحة .. ولا أدري إن كنت تعلم أن ابنك الذي يحترمك كثيرا يفعل ذلك بأمر الله في القرآن الكريم ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) ..

قاطعني متعجبا ! قائلاً : أنا لا أعرف هذا .. 

قلت لابنه : ألم تهده ترجمة معاني القرآن بالفرنسية ؟
قال : لا .. كنت أظن ذلك لا يجوز .. 
وعدت الأب بنسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية ..
وواصلت الحديث قائلا : أما المجموعة الثانية فهي موجودة الآن في الشمال على بعد أكثر من ستمائة ميل ، وتضم فريقا طبيا ، بعض من فيه رؤساء أقسام في مشافي عريقة متخصصة في بلادنا .. وهم خلال هذه الأيام القليلة قاموا بالكشف على مئات الأشخاص ، وأجروا عشرات العمليات الجراحية .
قاطعني قائلا : عذرا هذه معلومات جديدة ، أنا لا أعرف أن العرب يفعلون ذلك ..

قلت : ليكن في علمك أن من يأتي معنا ليس بالضرورة عربي الأصل ، وإنما هو بالتأكيد مسلم .. أنا أراك تخاطبني كما لو كنت عربيا فقط ! كلا .. أنا لم أقدم إلى بلادكم بصفتي عربيا فقط ، وإنما بصفتي مسلما بالدرجة الأولى ..

قال : لكن العرب هم من نشروا الإسلام .

قلت : صحيح ، وإن كان هذا ليس على إطلاقه .. صحيح أن العرب في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين كان لهم الجهد الكبير في نشر الإسلام ، لكن كان معهم آخرون ، فمؤذن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس عربيا بل كان إفريقيا حبشيا !

بل يمكنني أن أقول لك : إن عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم وكثيراً من قومه هم من اضطهدوه وآذوه ، بينما كان الأفارقة أول من نصر المؤمنين معه ! لقد هاجروا بأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة ! فكانت دولة الحبشة أول دولة وقفت مع المسلمين ! إذاً الأفارقة هم أول من نصر المسلمين ، ممثلين في الدولة الحبشية التي أسلم رئيسها اتباعا للإنجيل .. بينما كان عم النبي محمد من أشد أعداء الإسلام حتى إن كنيته وسبّه موجود في القرآن ( تبت يدا أبي لهب ) !

وليكن في علمك أيها المكرَّم أنه لا يوجد في القرآن أي نداء باسم العرب ، فليس في القرآن : يا أيها العرب ! لأن الإسلام ليس خاصا بالعرب بل هو للنّاس كافّة ؛ ولذلك تجد النداء لغير المؤمنين أعم : ( يا أيها الناس ) مثلا ، وهو كثير في القرآن الكريم ..

ثم عدت للجواب وقلت : هذه ليست أول مرة تصلكم وفودنا ، ويمكن معرفة ذلك بالاتصال بالمناطق الشمالية أو زيارتها لتتعرف على القوافل الطبية أكثر ولا سيما أنك طبيب ..
كان يهز رأسه كمن يطلب مزيدا من التفاصيل ، ويبتسم ..
 
ثم قال لدي سؤال أرجو أن تتقبل طرحه مني : كيف تعتقدون أن كل الناس في الجحيم إلا المسلمين فقط ؟
قلت : أشكرك على هذا السؤال ، وأقول : إنَّ من قال لك ذلك لم ينقل لك الحقيقة .. أترغب أن تستمع إلى تفاصيل خاصة بنا في هذا الموضوع ؟

قال : نعم .. نعم .. ونظر إلى زوجه ، وهي تستمع بعد أن قدمت لنا قطعا من البسكويت وأحضرت قارورتي عصير ومعها كؤوسا بعددنا ، أي أربعة ..

قلت : الناس عندنا من حيث الديانة ، إما مسلمون وإما غير مسلمين [ حاولت أن لا أستخدم كلمة كافرين قصدا ، ولذلك أصل ليس هذا محل بيانه ] ..

وبالنسبة للمسلمين ، هم موعدون بالجنة إذا صدقوا في إيمانهم ..

وأما غير المسلمين ، فهم في العقيدة الإسلامية إما أن يكونوا من الصغار الذين لم يبلغوا الحلم ، فهؤلاء إما من أهل الجنة وهذا الذي يعتقده كثير من علماء العقيدة الإسلامية ، أو أنهم يختبرون يوم القيامة فربما أدخلوا الجنة وربما لم يدخلوها بحسب نتيجة اختبارهم وهذا رأي آخر أيضا عند المسلمين ؛ والمهم أنه لا يجزم أحد منا بأنهم من أهل النار كما فهمتُ من سؤالك ..

وهنا تكلمت المرأة بكلام لم أفهمه ، ورد عليها زوجها بما فهمت أنه تعجب كبير ، وكأنَّ هذا الكلام كان مفاجأة كبيرة بالنسبة لهم ، وهو ما أكده لي الابن حين التفت إليه مستفهما .. فبادرت والتفت إلى أولادهم الصغار يلعبون في شرفة المنزل .. وقلت : نعم كل الأطفال سواء كانوا نصارى كهؤلاء أو غير نصارى كالبوذيين والهندوس ..

ثم قلت : وأما القسم الثاني فهم الكبار البالغون ، والراشدون ، فهؤلاء يختلف حكمهم في العقيدة الإسلامية أيضا ؛ فهم إما جاهلون بالإسلام لا يعرفون عنه شيئا ، أو يعرفون عنه بعض المعلومات المشوهة والمغلوطة التي ينفر منها العقل السليم والفكر الناضج ؛ فهؤلاء جميعا يقال عنهم في العقيدة الإسلامية : إنهم من أهل الفترة ، وحكم هؤلاء أنهم يعاملون في الدنيا معاملة غير المسلمين ، وأما في الآخرة فلا يحكم عليهم المسلمون بأنهم من أهل الجحيم ؛ لأن أهل الفترة هم الذين لم تصلهم رسالة الإسلام الصحيح ، وهؤلاء لا يدخلون الجحيم بالضرورة ، لأنهم يمرون باختبار في الآخرة ، فمن نجح فيه كان من أهل الجنة ومن أخفق فيه وفشل كان من أهل النار .. إذاً نحن لا نحكم عليهم من الآن بأنهم من أهل النار ، وإن كنا نعاملهم معاملة غير المسلمين في الدنيا ..

والحكمة في ذلك أن الله جل وعلا لا يظلم أحدا ، وهو القائل في القرآن ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) والقائل ( لأنذركم به ومن بلغ ) أي بلغ على حقيقته ، لأنه لا يكون قد بلغ إذا لم يكن على حقيقته ..

وإما عالمون بالإسلام قد عرفوه جيدا سواء بأنفسهم أو بدعوة أحد من المسلمين لهم ، وهؤلاء فقط هم من نعتقد أنهم كفار في الدنيا ، ومتوعدون بالجحيم في الآخرة إن هم ماتوا على ذلك ..
فهذه كما سمعتم أحكام مختلفة ، ودقيقة ، ومفصلة تفصيلا يناسب العدالة وعدم الظلم ..
أخذ يهزّ رأسه كثيرا بتعجب .. ثم قال : هذا شيء جيد !
ثم قالت زوجه : ادعهم إلى تذوق ضيافتنا .. فبادر قبل أن تنهي كلامها : تفضلوا تفضلوا ..

سبقني ابنه إلى كأسه وأخذ قطعة من البسكويت أيضا.. ومددت يدي و أمسكت بكأس عصير أظنه عصير ليمون ، وأخذت مواصلا الحديث ، ووضعته أثناء استطرادي في الحديث معه ..

وقبل أن ينفض لقاؤنا وجهت له دعوة لزيارة المركز الإسلامي ( مركز خادم الحرمين الشريفين ، في حي تشنغا القريب من حي بركتيري ) حيث يقام الملتقى التطويري الذي قدمنا لأجله ؛ ليقف على البرنامج بنفسه ، وليرى كيف تستخدم فيه التقنية الحديثة . وقد رحّب الطبيب أبو عبد الله النصراني بهذه الدعوة ترحيب الفرح المسرور ، ووعد بأن يأتي إلا أن يتأخر عليه سائقه الذي سيكون في مهمة في ذات الوقت ، فقلت له : يمكننا أن نرسل لكم سيارة لو لم يستطع سائقكم ! فشكر ضاحكا تعجبا ! وقال وهو يشير بسبابته مؤكدا : سوف أرتب أموري للوصول في الساعة الواحدة كما اقترحتم . 

استطراد : ومن الظريف المؤسف أن استخدام التقنية الحديثة أثناء التدريب كان مثار إشكال عند أحد المتدربين ، إذ تهامس مع آخر مشككاً : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم ( البروجكتر ) ! فكيف يستخدمه هؤلاء ؟! فكان جزءا من التطوير في بعض برامجه الهامشية كشف هذا الاستشكال البارد ! حتى لا يتعلق به جاهل ، أو يدور به مغرض !

ولمّا كان الغد ، أتاني ابنه فرحا ، قائلا : أبي في الطريق إلينا ! واستقبله ، وكنت في المكتبة في نهاية المدة المحددة لبرنامج لبعض الداعيات امتد بسبب طرح إحدى قيادات مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني النسائية الإسلامية لمسألة حكم خروج الداعيات في القنوات الفضائية ابتغاء إيصال رسالة الإسلام ، وهو حوار هادئ استمر قرابة التسعين دقيقة ، ولعل الله ييسر لي حديثا عنه ..

وما إن خرجن حتى دخل الطبيب وجلسنا سويا في زاوية من الكتبة العامرة ، وبقينا بعض الوقت ، حيث طلبت من ابنه إحضار نسخة من ترجمة القرآن الكريم بالفرنسية ، وطلبت منه أن يوقفه على الآيات التي تحدثنا عنها بالأمس ، ولاسيما آية لقمان ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) ، وآية الممتحنة ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) ، فقرأ ابنه تفسيره عليه بالفرنسية ، وكان يهز رأسه وابنه يقرأ ..

ثم أخذناه في جولة على قاعات التدريب ، ورأى بأم عينيه كثافة الحضور ونوعية التدريب ، وهيئة المدربين ، وتنوع المتدربين سنا وأقاليم من خلال تنوع زيهم.

ولأنه كان كبيرا في السن ، طلب أن يستريح أثناء الجولة قليلا ، فجلسنا في استراحة بين القاعات ، ثم خرجنا إلى الساحة الخارجية حيث دار حديث عن تاريخ الكاميرون ، وقد قال لي : سأقول لك كلاما لم أقله من قبل ؟
قلت : تفضل !
قال : أقول للحقيقة : إن الذي وضع البنية التحتية للكاميرون بعد استقلالها هي حكومة أحمد أهيجو ، وكان أكثر وزرائه من المسلمين ، وكانوا يعملون من أجل الكاميرون ، أما الآن فللأسف لا شيء من ذلك !
قلت : لقد علمت أنك من القوميين الشرفاء ، وأنك تميل إلى النهج الديغولي! فلقد ذكر لي ابنك أنه لا يكاد يوجد كتاب عن تاريخ ديغول إلا ولديك منه نسخة ؟!

قال : أقال لك ذلك ؟ قلت : نعم ، وأنا أقدر الشخص الذي يحب خدمة أمته ! ويبحث عن الحلول ولو في تجارب الآخرين ..

نظر إليّ بتقاسيم وجهِ السرور ، وأخذ ينظر إلى ابنه بابتسامة رضا ..

وانضم إلينا بعض المدربين ، ودار حديث دعوي ودي بينه وبينهم ، لم يخل من مكاشفات أصرح ، ثم دعوناه لتناول طعام الغداء ، فقبل شاكراً ، ودار بيننا حديث آخر أثناء تناول طعام الغداء حول تخصصه في الوبائيات ، وتم التطرق فيه إلى المشاركات العربية في التنمية في الكاميرون ، و قال في ختامه : أرجو أن أن يحقق لقاؤنا الآمال المرجوة منه ! وهي كلمة سرّ بها ابنه أيما سرور .. وودعته بنسخة من الترجمة الفرنسية للقرآن الكريم ، مما يقوم المركز بتوزيعه .. وهنأته بتعامله الحسن مع ابنه ، الذي علمت من قبل أنه كان يعاني من أسرته معاناة شديدة في بداية إسلامه ..
هذا بعض ما جرى في هذا اللقاء ، والحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام ، ونسأله سبحانه أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهبنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب ..
 

  

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ليهنك العلم دكتور سعد .. أعجبت بهذا المستوى من العلم والخلق وشكر الله لدعاتنا شرعيين كانوا أو غيرهم .. كيف يحملون رسالة الإسلام والدعوة !! وإن شاء الله تبشرونا بإسلامه قريبًا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب! بارك الله بك
أخي الفاضل د. سعد زادك الله توفيقاً وهدى.. شكر الله لك وعظم أجرك والنفع بك.. وأذن لي بالتنبيه على قضاياأحسب أن الصواب لم يحالفك فيهما أثناء كلامك مع النصراني.. أما الأولى فهي حديثك عن حكم الكافرين وأن أهل الإسلام يقولون فيهم بالتفصيل الذي ذكرت، ولا يطلقون القول بأنهم من أصحاب الجحيم. والحق أن الحكم الإجمالي الذي يقول به أهل الإسلام هو أنهم من أصحاب الجحيم، كما قال الله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم)، (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم)، (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون). والآيات في الحكم بخلود عموم الكفار في النار معلومة بالضرورة والمقام لا يتسع لسردها وهي لا تخفى على من هو دونك. وعموم خلود الكفار في الجحيم لا ينقضه وجود أقوام خصهم الدليل. فبعض من كان في حكم أهل الفترة حالات خاصة والخاص لا يلغي العام أو يبطله. فكان الواجب أن تقول ما قاله القرآن: نعم عموم الكفار هم من أصحاب الجحيم ونحن نقول بهذا. لكن المسلك الذي انتهجته يشكك في هذا الأصل عظيم. وربما هون ذلك المسلم على المرء ما هو فيه من الكفر، بل ربما كان سبباً لحرمانه الدخول في الاسلام أو تأخر ذلك فمن يدري ربما كان ينتظر مقدم ليعلن الإسلام لو كان الخطاب غير هذا الخطاب، أما الآن فما قلته له قد يقذف في روعه نوع اطمئنان ليس في محله. وهذا الكافر أخال الحيرة سوف تلحقه عندما يقرأ في النسخة المترجمة للقرآن التي أهديته لها ما يخالف ما قلته له في آيات كثيرة متظاهرة. ثم إن الحالات الخاصة القليلة المستثناة من الحكم العام، فهذا الكافر الذي تخاطبه غير مندرج في إحداها على الصحيح. فليس هو طفل -لو سلمنا بأن أطفال المشركين مشركين وسيأتي بيانه-، وقد سمع بالرسالة بل ابنه مسلم عانى معه ما عانى -كما فهمت من سردك- وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم: (والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)، وجل النصارى اليوم قد سمعوا بالرسالة سماعاً تقوم به الحجة عليهم، إما لوجود المسلمين في ديارهم ودأبهم على الدعوة، وإما لإعراض النصارى عن الدعوة وترك الإقبال على تعلمها مع بيان فساد ما هم عليه بالاضطرار، فكفرهم إما جحود أو إعراض وهو الغالب عليهم، ولا ينقض ذلك وجود صورة مشوهة عند بعضهم فإن مردها في الغالب إلى الإعراض، كما أن مرد الجحود إلى الاستكبار في أحيان كثيرة. وكما تعلم فإن الناس في العذر بالجهل طرفان ووسط وما جرت عليه هنا هو ما عليه كثير من مشايخنا المحققين رحم الله ميتهم ومتع بحيهم. وأياً ما كان فخلاصة هذا المأخذ أخي الفاضل هو أن العموم لا ينقضه نص خاص ولا يجوز ترك الإقرار به لورود الخاص، بل يقرر الحكم العام ويبين الخاص. فكان الواجب أن تقول له: هذه هي الحقيقة نعم من سوى المسلمين من أصحاب الجحيم لكن ثمة استثناءات، أما أن تقول له ما حاصله: إن من نطق بنص القرآن لم يبين لك الحقيقة فتلك زلة ليست باليسرة أيها الأخ الحبيب. ويزيد وضوح ما سبق المأخذ الثاني -بارك الله فيك-: وهو حديثك عن أطفال المشركين، فهؤلاء خارج نطاق التكليف، وهم على الفطرة إجمالاً وإن حصل عندهم نوع تغيير ليس بمخرج إلى حد الشرك، ولعلك -أصلح الله بالي وبالك- قد غفلت فعددتهم مشكرين، وعدهم مشركين في الحقيقة موضع نظر، وتأمل تجد حديث الرجل أبي عبدالله ليس عن أطفال المشركين وإنما هو عن المشركين وأطفال المشركين الذين يموتون في الصغر لا يلزم أن يكونوا مشركين، إذ لم يحصل لهم تهويد أو تنصير يعتد به لعدم التكليف، كما لو وقع طفل مسلم في شرك أكبر، وأنت -رعاك الله- عددتهم مشركين ثم ذكرت ما يشعر بأن أكثر العلماء على دخولهم الجنة مع ذهاب طائفة إلى اختبارهم، وفي هذا ما فيه إذ الحق أن الذين قالوا بأنهم في الجنة طائفة من أهل العلم قليلة بالنسبة لغيرهم وقد عارضتهم طائفة أخرى مثلهم فقالت هم من أهل النار -وقد أغفلت قولهم مع أن الأوائل لامزية لهم على هؤلاء-، والمذهب المنقول المنسوب لأهل السنة هو التفصيل بالاختبار، فهذا هو الذي نقل عن جمهور أهل السنة بل حكاه بعضهم عنهم قاطبة، وإن خالفت الجمهور قلة من أهل السنة اختارت دخولهم النار وأخرى اختارت دخولهم الجنة، وكلا القولين الأخيرين جنح إليه بعض أهل البدع، وقد أقر شيخ الإسلام ابن تيمية أبا الحسن الأشعر على أن قول أهل السنة هو اختبارهم وصححه وانتصر له، وانظر في ذلك درء التعارض فقد أطال النفس فيه 4/282-300، وانظر كذلك المعنى مختصرا في المجموع 4/281 و303. فإذا خرج هؤلاء من استثناء العموم لم يبق إلاّ من لم يسمع بالرسالة أو سمع بها مشوهة وهؤلاء سبق التعليق عليهم وحاصله أن عدهم جملة في حكم أهل الفترة فيه نظر، بل في هؤلاء المعرض وهم جم غفير. وأما المأخذ الثالث: فقد بدا لي من خلال سردك أنك قد أسقط ثقة أبي عبدالله في ابنه عبدالله وذلك من خلال تقريرك أموراً ونقضك أخرى وظاهر الحال أن ابنه قررها له، وكان الحق مع الابن في بعضها، ولعل منها أن المشركين هم أصحاب النار. ولو فرض أنه لم يكن معه من الحق شيء فكان الواجب مراعاة جانب تكبير الابن في عين الأب الذي لن يبقى له بعد رحيلك مرجع سواه، أما إن خرج منك بما حاصله أن ابنه لا يفهم في الإسلام فقد لا يشجعه ذلك للروجدع إليه حتى يفهم ويستفيد. وبعد أخي الكريم أكتفي بما سطرت غير جاهل بقدرك ولا مزدري لجهدك الذي أسأل الله أن يبارك فيه.. وأرجو أن يكون التعليق سبباً لذلك، والله يحفظك وبالرعاية يكلؤك.
أخي الكريم إبراهيم الأزرق سلمه الله لقد سررت أيما سرور حين بلغني أن ثمة مناقشة وردت على موضوع الحوار هذا .. وأنا إذ أشكرك على نصحك وحسن ظنك أخي الكريم ، فإني أود أن تعيد قراءة الموضوع لتجد أنني لم أتجاوز شيئا من عقيدة أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة ، وإن فهمت عبارة على غير وجهها فليس لدي أي حرج في تصحيحها ، بل هو ما يجب أن يكون لو وجد شيء من ذلك .. نعم كنت أعلم مسبقا وقبل حكاية ما جرى ، أن من الإخوة من قد لا يتحمل هذا التفصيل ، لا لأنه خاطيء، وإنما لدقة ما فيه من المعاني التي يقل الحديث عنها ، وكذا والقيود التي قد لا تعلق بذهن القاريء أحيانا إلا بتأمل .. وكلها حقائق شرعية تلقيناها من أهل العلم قرءاة ومشافهة ومدارسة .. ولو اقتضى الأمر تفصيلا ، لفصلته . أخي المبارك : إطلاق القول يتناسب مع عدم التفصيل ، أما عند جواب سؤال كهذا السؤال الذي طرحه النصراني ، فإن الأمر يقتضي تفصيلا حتى لا يظن بالله سبحانه الظلم وهو القائل في الكتاب العزيز :( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) والقائل في الحديث القدسي : ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ..) . أخي المبارك : ثمة أشياء أوردتَها - سلمك الله - على الموضوع ولم يقع لها ذكر أصلا .. فأنا هنا مثلا لم أتحدث عن الشخص نفسه على أنه معذور ؟! .. كما أن كونه يفهم بعض القضايا الشرعية فهما خاطئا لا يعني أن الإسلام لم يصله .. ومنها : أنني لم أقل إن أكثر العلماء في موضوع أطفال المشركين ، وإنما قلت : كثير من العلماء ، وفرق بين العبارتين لا أظنه يخفى على مثلكم . وأما ما وصفتموه بالمأخذ الثالث ، فمخالف لواقع ابنه الذي لم يكن يجرؤ على دعوته ، وقد صرح لي بأنه لأول مرة يتم الحديث مع والده بهذا الوضوح عن الإسلام وكيف أنه لم يهده حتى ترجمة القرآن لشدة ما كان بينهم من عداء ، وما قبلت الاستضافة حتى حاولت أن أفهم واقع الحال لكل من الطرفين ، وأظن ذلك من فقه الدعوة .. وأخيرا : أشكرك كثيرا على تعقيبك .. ووالله لو كنت أعلم بريدك الخاص ، ولم يكن هذا التعقيب قد نشر ، لما أعلنت هذا التوضيح الذي ذكرته لكم ، ولأسررت به إليكم .. أخوكم / أبو معاذ
شكر الله لك أيها الشيخ الفاضل.. وتحمل أخاك قليلاً وتأمل كلامه كثيراً.. فقد أمعن النظر وأنعمه فيما قلتم ويحسب أنه قد فهم المرمى .. ويعتقد فيكم حسن النية والقصد، ويقدر لكم صوابكم الكثير ويسأل الله أن يعظم النفع به. وبعد فملخص ما أخذته عليكم: أولاً: ما سطرتموه من جواب سؤال نصه: "ثم قال لدي سؤال أرجو أن تتقبل طرحه مني : كيف تعتقدون أن كل الناس في الجحيم إلا المسلمين فقط ؟ قلت : أشكرك على هذا السؤال ، وأقول : إنَّ من قال لك ذلك لم ينقل لك الحقيقة ..". فقولكم حفظكم الله: إن من قال ذلك لم ينقل لك الحقيقة، فيه نظر، فقد نطق بنص القرآن (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار)، فمن قال هذا فقد نقل له الحقيقة. وليست الحقيقة هي أن أطفال المشركين بالضرورة مشركون وأنهم ليسوا من أهل الجحيم. وليست هي كذلك أن أهل الفترة ليسوا من أهل الجحيم بل قد يكونون وقد لا يكونون، وليس أهل الفترة هم عموم من تشوهت عنده صورة الإسلام أو لم يسمع به بل في هذا تفصيل أشير إليه. ثم وجود هؤلاء لا ينقض الحكم العام أو ينسب لقائله إخفاء الحقيقة. وما ذكرتموه -أحسن الله إليكم- من كلام عن أهل الفترة وأطفال المشركين لم يكن محرراً، فضلاً عن أن يثبت أن القائل أو المعتقد بأن غير المسلمين من أصحاب الجحيم لم يقل الحقيقة. وكان يسعك أن تقول له: هذا حكم إجمالي عام، لا على معين، ومن الناس من قد يكون معذوراً عند الله تعالى... وأما حكمنا الكلي -الذي جاء في الكتاب والسنة- إنما هو وفقاً لاعتقادنا لا على الأعيان، وهو خير من اعتقاد اليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب الملل الذين يعتقدون أن الدين المنجي إنما هو دينهم! أما المأخذ الثاني: فهو غاية في الوضح وهو إشكال ظاهر على بعض ما ذكرتموه في أطفال المشركين. فأنت تعلم أن من أهل الإسلام بل من أهل السنة من قال في أطفال المشركين: إنهم من أصحاب الجحيم... وأنت قد نفيت هذا، وأوهم كلامك على أن الأكثر قالوا بنجاتهم، لم تصرح بالأكثر لكنه مفهوم القارئ والمخاطب بما قلت.. وصاحبك إنما نقل لك قول أهل السنة الذي حكي عنهم قاطبة ونبه عليه. والمأخذ الثالث: أمر انطبع في نفسي لمّا قرأت سردكم لما جرى، وأخشى إن هو لم يراعي في المستقبل أن ينطبع في نفس غيري ممن تدعونهم إلى الإسلام. وأعتب عليك قولك في هذا التعليق: "كنت أعلم مسبقا وقبل حكاية ما جرى ، أن من الإخوة من قد لا يتحمل هذا التفصيل ، لا لأنه خاطيء، وإنما لدقة ما فيه من المعاني التي يقل الحديث عنها ، وكذا والقيود التي قد لا تعلق بذهن القاريء أحيانا إلا بتأمل .. وكلها حقائق شرعية تلقيناها من أهل العلم قرءاة ومشافهة ومدارسة ..". فليتك لم تقله وأنت تعلم أن التفصيل المذكور يمر على مبتدئة طلاب العقيدة في شرح بعض متونها الصغيرة كسلم الوصول.وقد مرّ على أخيك المعقب عليك مثلك وأخذه عن كبار أهل العلم المختصين في العقيدة، غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. كما أن المعلق عليك لم يخطئك فيه جملة، وإنما في بعض تفاصيله الظاهرة، وفي من ينطبق عليهم مفهوم أهل الفترة وإدخالك فيه من لا يلزم دخولهم فيه، وفي الاعتراض بكل ذلك على من قال الحقيقة: إن غير المسلمين هم أصحاب الجحيم.. فهل ترى أن التفصيل الذي ذكرته ينقض قول القائل: كل الناس في الجحيم إلاّ المسلمين؟ وأنت تعلم أولاً: أن هذا حكم عام لا على معين، من قبيل قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون، والله أعلم بما يوعون، فبشرهم بعذاب أليم إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، وقوله: (إن الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا..) السورة، وقوله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند مسلم: (والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)... فهل نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الحقيقة؟ واعذرني عن طريقة السؤال -وأنا أعلم جوابك- فإنما حملني على إيراده التنبيه على محل إشكال بعبارة واضحة. وثانياً: أن المخصوص بدليل لا ينقض العام ولا يقال لمن نطق بالعام لم ينطق بالحقيقة وإنما يستثني المستثني صورا معينة. هذا لو كانت الصور المخصوصة التي ذكرتها مسلمة فكيف وعليها من المآخذ ما ذكرته لك. الشيخ الفاضل كاتب هذه الأسطر من محبيك الداعين لك بخير ولن ينقص من قدرك عنده شيء يحسبه قذاة في عينك.. أحب أن يكون مرآة لك لعلك تزيلها... والشأن شأنك. وأيضاً خشي محبك أن ينتهج هذا المسلك الذي انتهجته أناس عاش بينهم النصارى أو غيرهم من الكفار -وهم كثير في عالمنا الإسلامي والعربي- فتكون النتيجة -التي لا تريدها والله- تهوين شأن دخول الكفار في الإسلام لفهم خاطئ حاصله أن من سمع بالإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام ولم يعبأ بالتحقق من صحة رسالته، أو لم يفهم الإسلام فهماً صحيحاً للتقصير في السؤال عنه ولإعراضه عن تعلمه فهو عند أهل الإسلام معذور.. ولو لا هذا لبحثت عن بريدك الخاص لمراسلتك... وسوف أفعل إن شاء الله.
أخي الكريم إبراهيم الأزرق سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد فإنني شاكر لك هذا الجهد والحرص والتحري للحق .. وكم وددت لو أن لدي سعة من الوقت لأفصل في الأمر أكثر .. لكن لتأذن لي أن أختصر الجواب في حدود ما ذكرتم بارك الله فيكم بعد ذكر مقدمتين مختصرتين : الأولى : أن سؤال النصراني الكافر ليس عن كفر غير المسلمين ، وإنما هو عن دخول كل من ليس مسلما في الدنيا الجحيمَ في الآخرة . وفرق بين السؤالين كما لا يخفاكم . الثانية : من القواعد التي يقررها أهل العلم : أن الجواب على المخالف ليس محلا لتقرير العقائد على نحو يتطلب التفاصيل الإسلامية للاعتقاد كما لو كانت بين أهل الملة ، فمن فقه الدعوة مراعاة حال المدعو . وأما اختصار الجواب المفصل على تعقيبكم فهو كالتالي : 1) قلتم بارك الله فيكم: " فقولكم حفظكم الله : إن من قال ذلك لم ينقل لك الحقيقة، فيه نظر، فقد نطق بنص القرآن (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار)، فمن قال هذا فقد نقل له الحقيقة" . وأجيب : قد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية : " أي كما حقّت كلمةالعذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة ، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى ؛ لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك " فمن لم يبلغه القرآن على حقيقته أو لم يبلغه الإسلام بالمرة هل حكمه في الآخرة داخل في دلالة هذه الآية ؟ وإذا لم يكن داخلا في دلالتها فهل ثمة أدلة تحكمه ؟ وإن كان له ما يحكمه من الأدلة ، فهل هذه الأدلة خارج الحقيقة أو داخلها ؟ وأظنك أجبت عل هذا السؤال جوابا صوابا حين نقضت الإطلاق - الذي أوردتَ - بقولك : " وليست الحقيقة هي أن أطفال المشركين بالضرورة مشركون وأنهم ليسوا من أهل الجحيم. وليست هي كذلك أن أهل الفترة ليسوا من أهل الجحيم بل قد يكونون وقد لا يكونون، وليس أهل الفترة هم عموم من تشوهت عنده صورة الإسلام أو لم يسمع به بل في هذا تفصيل أشير إليه" . 2) وقلت حفظك الله : " ثم وجود هؤلاء لا ينقض الحكم العام أو ينسب لقائله إخفاء الحقيقة " . وجوابه : أنني لم أقل بنقض الحكم العام ومعاذ الله أن أقول ذلك ، والحقيقة تكمن في مجموع الحكم العام والأحكام التفصيلية ، وليس في بعضها دون الآخر . وهذا ما عنيته في نفي الحقيقة الكاملة في جوابي على النصراني . 3) قلت أخي محمد : " وما ذكرتموه -أحسن الله إليكم- من كلام عن أهل الفترة وأطفال المشركين لم يكن محرراً" ، وهنا أقول على فرض صحة ذلك ،أرجو أن تعود للمقدمة الثانية ، ولعلك تراجع - غير مأمور- كلام أهل العلم في تقريرها . 4) وقلت أخي محمد : " وكان يسعك أن تقول له: هذا حكم إجمالي عام، لا على معين، ومن الناس من قد يكون معذوراً عند الله تعالى... وأما حكمنا الكلي -الذي جاء في الكتاب والسنة- إنما هو وفقاً لاعتقادنا لا على الأعيان " . وأقول هذه طريقة أخرى في الجواب لا تخرج عن مضمون ما أجبت به . علما أن ما ذكرتُ له أوضح لفهمه وأسهل عليه من ذكر مصطلحاتنا الخاصة التي هي محل نظر عند بعض أهل العلم أيضا . 5 ) قلت أخي محمد : " وهو خير من اعتقاد اليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب الملل الذين يعتقدون أن الدين المنجي إنما هو دينهم!" وأقول : لم يرد تقرير لهذا الأمر في جوابي ، بل في جوابي ما ينفيه ، وودت أنك لم تورده حتى لا يتوهم من لم يقرأ الموضوع أنني قلته . 6 ) قلت أخي محمد : " أما المأخذ الثاني: فهو غاية في الوضح وهو إشكال ظاهر على بعض ما ذكرتموه في أطفال المشركين. فأنت تعلم أن من أهل الإسلام بل من أهل السنة من قال في أطفال المشركين: إنهم من أصحاب الجحيم... وأنت قد نفيت هذا " . وأجيب : الحقيقة أنني قلت : " والمهم أنه لا يجزم أحد منا بأنهم من أهل النار كما فهمتُ من سؤالك .." وهذا ليس نفيا للقول مطلقا ، وهنا يظهر أثر القاعدة التي ذكرتها في المقدمة الثانية . وكم يترك العلماء تعداد قول وإن قيل به لضعفه بين الأقوال المعتضدة بالأدلة ، ولا سيما أن في نسبة هذا القول إلى بعض كبار أهل العلم نظر ، وقد غلَّط أبو العباس ابن تيمة رحمه الله نسبة هذا القول إلى الإمام أحمد وعدّ ذلك وهما ممن نسبه إلى الإمام . 7) وقلت حفظك الله : " وأوهم كلامك على أن الأكثر قالوا بنجاتهم، لم تصرح بالأكثر لكنه مفهوم القارئ والمخاطب بما قلت.. وصاحبك إنما نقل لك قول أهل السنة الذي حكي عنهم قاطبة ونبه عليه" . وهنا أكرر تأكيدا ما قلته لكم في الجواب السابق : عبارتي واضحة وهذا نصها : " إما من أهل الجنة وهذا الذي يعتقده كثير من علماء العقيدة الإسلامية" ، ففرق بين كثير وأكثر ، وممن قال بذلك من هؤلاء الكثير الذين عنيتُ : الإمام البخاري ، وابن حزم ونسبه إلى جمهور الناس ، واختاره ابن الجوزي ، والنووي ، والقرطبي في التذكرة، والسبكي ، والسخاوي ، وطائفة من المفسرين ؛ وهو قول قوي بقوة ما استدل له به من نصوص الكتاب والسنة بغض النظر عن الترجيح بينه وبين القول بالامتحان الذي هو قول قوي أيضا ورجحه كثير من المحققين أيضا . 8) قلت رعاك الله : " والمأخذ الثالث: أمر انطبع في نفسي لمّا قرأت سردكم لما جرى، وأخشى إن هو لم يراعي في المستقبل أن ينطبع في نفس غيري ممن تدعونهم إلى الإسلام" . وأقول قد بينت لكم وجهه في التعقيب السابق . 9) قلت وفقك الله : " وأعتب عليك قولك في هذا التعليق: "كنت أعلم مسبقا وقبل حكاية ما جرى ، أن من الإخوة من قد لا يتحمل هذا التفصيل ، لا لأنه خاطيء، وإنما لدقة ما فيه من المعاني التي يقل الحديث عنها ، وكذا والقيود التي قد لا تعلق بذهن القاريء أحيانا إلا بتأمل .. وكلها حقائق شرعية تلقيناها من أهل العلم قرءاة ومشافهة ومدارسة ..". فليتك لم تقله وأنت تعلم أن التفصيل المذكور يمر على مبتدئة طلاب العقيدة في شرح بعض متونها الصغيرة كسلم الوصول ." . وأقول : كم يمر على الطلاب من علم مرور السماع والحفظ دون الفهم ، وهنا محل الإشكال في ضعف التلقي ، وهو ما جعلني أذكر بعض طرق الفهم كالقراءة طلبا للشرح لا لمجرد الحضور والسماع ، وكذا المدارسة ؛ فليس العلم مجرد أقوال تحفظ - كما لا يخفاكم - بل ثمة ما هو أهم من ذلك على أهميته ، وهو ما ذكر الله عز وجل في قوله : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) ، وإنك لتجد الضعف في الفهم بين كثير من المنتسبين لطلب العلم فضلا عن غيرهم ، وأظن هذا الملحظ لا يخفى عل مثلكم ، وما موجة الحور بعد الكور - والعياذ بالله - بين بعض الشباب إلا أثرا من آثار ضعف الأخذ . الذي بدايته في الاعتزاز بالذات والانقطاع عن العلم وأهل العلم . 10) قلت أخي محمد وفقنا الله وإياك : " وقد مرّ على أخيك المعقب عليك مثلك وأخذه عن كبار أهل العلم المختصين في العقيدة، غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث " . وأقول : نفع الله بكم وبارك فيكم .. ولولا قناعتي بذلك لما عقبت وبينت . فكم تعقيب واعتراض لا ألقي له بالا بسبب بعده عن أصول العلم وأدب أهله ، بل وقد يحذفه الإخوة دون أن يشعروني به . 11) قلت بارك الله فيك : " كما أن المعلق عليك لم يخطئك فيه جملة، وإنما في بعض تفاصيله الظاهرة، وفي من ينطبق عليهم مفهوم أهل الفترة وإدخالك فيه من لا يلزم دخولهم فيه، وفي الاعتراض بكل ذلك على من قال الحقيقة: إن غير المسلمين هم أصحاب الجحيم.. فهل ترى أن التفصيل الذي ذكرته ينقض قول القائل: كل الناس في الجحيم إلاّ المسلمين؟ وأنت تعلم أولاً: أن هذا حكم عام لا على معين، من قبيل قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون، والله أعلم بما يوعون، فبشرهم بعذاب أليم إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، وقوله: (إن الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا..) السورة، وقوله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند مسلم: (والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)... فهل نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الحقيقة؟ واعذرني عن طريقة السؤال -وأنا أعلم جوابك- فإنما حملني على إيراده التنبيه على محل إشكال بعبارة واضحة ". وأجيب بأن ما قدمته من بيان كافٍ في توضيح ما أشكل لمن تأمّل ، كما أضيف : أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن هذا وهذا ، في مثل قوله صلى الله عليه وسلم في قصة الرؤيا في في صحيح البخاري : ( وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة . قال : فقال بعض المسلمين : وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأولاد المشركين ) . ولابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين كلام يحسن الرجوع إليه لمن شاء المزيد . وهكذا نصوص الشرع ولا سيما المقررة للعقائد والأحكام لا يكتفى ببعضها عن بعضها في تقرير المسائل كما تعلمون . 12 ) وقلت وفقك الله : " ولا يقال لمن نطق بالعام لم ينطق بالحقيقة وإنما يستثني المستثني صورا معينة. هذا لو كانت الصور المخصوصة التي ذكرتها مسلمة فكيف وعليها من المآخذ ما ذكرته لك " . وأجيب بأن هذا محل التعقيب والجواب ، وجوابه فيما قد مضى من أجوبة . 13 ) قلت بارك الله فيك : " كاتب هذه الأسطر من محبيك الداعين لك بخير ولن ينقص من قدرك عنده شيء يحسبه قذاة في عينك.. أحب أن يكون مرآة لك لعلك تزيلها... والشأن شأنك. وأيضاً خشي محبك أن ينتهج هذا المسلك الذي انتهجته أناس عاش بينهم النصارى أو غيرهم من الكفار -وهم كثير في عالمنا الإسلامي والعربي- فتكون النتيجة -التي لا تريدها والله- تهوين شأن دخول الكفار في الإسلام لفهم خاطئ حاصله أن من سمع بالإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام ولم يعبأ بالتحقق من صحة رسالته، أو لم يفهم الإسلام فهماً صحيحاً للتقصير في السؤال عنه ولإعراضه عن تعلمه فهو عند أهل الإسلام معذور.. ولو لا هذا لبحثت عن بريدك الخاص لمراسلتك... وسوف أفعل إن شاء الله " . وأقول : أحبك الله الذي أحببت أخاك فيه ، وكم رأيت في جوابك من حرص وبيان لما تراه مشكلا بأسلوب إسلامي قلّ سالكه اليوم ، وأشكرك على رحابة صدرك ، والأمر كما بينت بحسب ما يحتمل الحال ، على نحو أردت أن أؤكد به أن محل اتفاقنا في الأصول ظاهر ، وأن الطريقة في الجدال مع غير المسلمين قد تقتضي من الأساليب التي تنقل الحقائق الشرعية بمفهومها الشامل ما لا يقتضيه تقرير المسائل العلمية في بيئة إسلامية ، وهو أمر رأيت تنبيه من يتابع من طلاب العلم إليه ؛ وفي القرآن من شواهد ذلك ما لا أظن أنه يخفى على شريف علمكم. وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا الزلل بمنه وكرمه ولطفه ، وجعلنا وإياكم ممن يزيدهم التواصل حبا في الله وأخوة إيمانية . وإني لأرجو أن يكون فيما ما مض من حوار نفع للإخوة والأخوات ممن قرأه . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه . أخوك الفقير إلى ربه / أبو معاذ سعد بن مطر العتيبي .

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :

الارشيف