"إنه مسمار آخر في نعش النظام السوري".. هكذا لخص خبراء دوليون فحوى تقرير القاضي الألماني المنتدب من الأمم المتحدة للتحقيق في عملية اغتيال (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق) رفيق الحريري، بعد الاتهامات التي أوردها القاضي الألماني "ديتليف ميليس" في تقريره والتي تدين مسؤولين لبنانيين وسوريين. فسوريا التي تواجه حصارا أمريكيا وغربيا، وضغوطا متتالية للرضوخ التام للمطالب الأمريكية، وتهديدات بأن تلقي مصير العراق، باتت بالفعل في مرمي الخطر بعدما وضع تقرير ميليس عليها دائرة حمراء ووضعها في مرمي مدفعية الولايات المتحدة والغرب، وتحت رحمة قبول تنازلات جديدة منها أو المزيد من الضغوط والتركيع، وربما مطالب صريحة بتغيير النظام.
ومنذ لحظة بدء التحقيق وإعداد التقرير والاستعدادات الغربية على قدم وساق للبحث عن سيناريو إسقاط النظام السوري، رغم أنه قدم تنازلات عديدة على مدار السنوات الماضية.. فالمطلوب هو الخضوع التام لآخر دولة ترفع شعار المقاومة أو السلاح في وجه الدولة الصهيونية، والمطلوب هو الرضوخ التام للخطط الأمريكية في المنطقة بغية تحويلها إلي نموذج على الطريقة العراقية. ولهذا كان من الطبيعي أن يأتي رد الفعل الأمريكي فوري وعاجل ويسير على ذات الخطة المعدة سلفا بشأن سيناريو تركيع سوريا النهائي، وهو اجتماع عاجل لمجلس الأمن دعا له الرئيس بوش، ثم عقوبات تلو الأخرى وسلسلة إنذارات بالرضوخ التام وتسليم أركان النظام من القيادات الأمنية السورية المتورطة في اغتيال الحريري حسبما اتهمها التقرير، و حسبما قال (السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة) جون بولتون فإن تقرير الأمم المتحدة "يتطلب تحركا حازما من مجلس الأمن الدولي"!
ومع أن نتائج التقرير ليست نهائية، كما أن الأمم المتحدة أعطت ميليس مهلة حتى نهاية ديسمبر القادم كي ينهي تحقيقاته - التي لم تنتهي بالفعل؛ لأنها لا تزال تراوح مكانها بين اعتبارها اتهامات أو شكوك – فقد بدأ المسؤولون الأمريكيون يلوحون بذات الاتهام الذي لوحوا به للعراق وهو: "عدم تعاون سورية مع التحقيق" وهو تعبير دبلوماسي سيئ السمعة يشير لعرقلة العدالة، ويفتح أبواب جهنم أمام السوريين خصوصاً بعدما قال ميليس في تقريره الذي سلمه إلى (الأمين العام للأمم المتحدة) كوفي عنان أنه "توجد أدلة متطابقة تظهر في آن واحد تورطاً لبنانياً وسورياً في هذا العمل الإرهابي ".
والغريب هنا أن الصحف الصهيونية بدأت تتحدث عن إنهاء حكم (الرئيس السوري) بشار الأسد كنتيجة طبيعية لتقرير ميليس كما علقت صحيفة هاآرتس "الإسرائيلية" على تقرير محقق الأمم المتحدة! بل وبدأت الصحف الصهيونية تحدد السيناريوهات التي يجب على السوريين انتهاجها لقلب نظام الحكم لديهم سواء كانت انقلاب عناصر بالطائفة العلوية الحاكمة على بشار الأسد وحكومته "لأن استمراره في الحكم من شأنه أن يهدد سيطرة الطائفة على الحكم في سوريا "، أو قيام الولايات المتحدة بتوسيع غاراتها ومداهماتها العسكرية إلي عمق الأراضي السورية، خاصة أن هذه القوات قامت بعمليات "مطاردة داخل الأراضي السورية" مؤخرا لعناصر من المقاومة المتطوعين العرب في العراق!.
أي خيار أمام الأسد؟ إذا كان تقرير ميليس أعاد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت ساعة نظام الأسد في سوريا قد حانت وفق التوقيت الأمريكي، فهو في الوقت نفسه – وفي ظل رفض تكرار تجربة غزو العراق التي يسعى الأمريكان للهرب منها – طرح خيارات صعبة أمام النظام السوري لا تخرج عن الرضوخ التام أو مواجهة خطر الحصار تلو الحصار تمهيدا لعمل عسكري قد يصل لضربات جوية لإسقاط النظام من الداخل وتمهيد السبيل أم المعارضة السورية لدخول البلاد. بعبارة أخرى ليس أمام سوريا الأسد في نهاية الأمر سوي خياري العراق أو ليبيا حتى لو استمر التحقيق شهرين آخرين (لمزيد من إلباس السوريين تهمة قتل الحريري)، وليس أمامه سوى خيار ثالث وسط بينهما في ظل حالة الحصار والإصرار الأمريكي على الرضوخ التام للمطالب الأمريكية بنفض يد النظام من المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان، ونفض يده حتى من قضية النزاع مع الدولة العبرية والقبول بما هو معروض من إعادة مشروطة للجولان.
والمأزق الذي يواجهه النظام السوري كشف له ضمن ما كشف أن الحكومات العربية ربما تكون هي أول من يبيعه كما باعت صدام حسين إنقاذا لنفسها أولا، كما كشف له أن سياسية إمساك العصا من المنتصف وتقديم المعونات الفنية والاستخبارية للأمريكان لم يغن عن تحقيق مصالحهم النهائية على حساب سوريا شيئاً، أما الأهم من كل هذا، فهو أن أزمة نهاية النظام كشفت له أن الاستقواء بأجهزة الأمن وليس الشعب وقواه المختلفة كجدار يحمي ظهر النظام كان قاصمة الظهر له.
بعبارة أخرى ليس أمام الرئيس الأسد ونظامه سوي تقديم كبار مساعديه وحماة نظام حكمه من القادة العسكريين والأمنيين إلي الأمم المتحدة لمحاكمتهم في محكمة دولية على جريمة اغتيال الحريري طالما أن تقرير ميليس الدولي قال: إنهم متورطون، وإلا أتٌهم بأنه غير متعاون ومتواطئ معهم وهو الذي قال الأسبوع الماضي لمحطة (سي.إن.إن.) الإخبارية الأمريكية استعداده للتعاون بشان العراق وأصر على أنه "لم يصدر أوامر باغتيال الحريري" وقال: "إن أي سوري تورط في الحادث سيعد خائنا وسيمثل أمام القضاء السوري أو الدولي "!!. ولو فعل الرئيس الأسد هذا فسيكون بذلك قد سلم نفسه فعلا للمقصلة الأمريكية وأخلي الطريق للمعارضة ووكل القوي التي يسيطر عليها مساعدوه وقواده الأمنيين في الوثوب إلى السلطة أو على أفضل حال الانتقال من حالة القمع إلى حالة النقد للحكم والمطالبة بتغييره وربما الخروج عليه في مظاهرات، طالما أنه ارتضي تسليم المطلوبين الكبار الذين وردت أسماؤهم ضمنا في تقرير ميليس كمتهمين، وهم: ماهر الأسد، آصف شوكت، حسن خليل، بهجت سليمان، رستم غزالة، وفاروق الشرع وأحمد جبريل، وهم أركان الحكم السوري الحالي العسكري والأمني والسياسي!!
وهو ما يشكل مأزق حقيقي لسوريا، ويضيق الخيارات حول رقبة الرئيس بشار الأسد ولا يبقي أمامه سوى نموذج ليبيا، بمعني الرضوخ طواعية لكل المطالب الأمريكية والغربية كما فعل (الرئيس الليبي) معمر القذافي، وهي تسليم جميع المطلوبين والتعاون التام في مسألة حفظ أمن العراق أو القوات الأمريكية في العراق، والتعاون الاستخباري الكامل مع الغرب، وربما أيضاً تفكيك البرامج النووية والكيماوية السورية كما فعلت ليبيا؛ لأنها تهدد الدولة الصهيونية بعدما سبق أن نسبت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية 3-6-2005 إلى مسئولين عسكريين "إسرائيليين" كبار أن سوريا أجرت اختبارات على إطلاق ثلاثة صواريخ سكود (300،700 كلم)، وأن هذه التجارب لتطوير الصورايخ تزيد مداها وخطورتها!.
والمشكلة التي تواجه النظام السوري – كما يقول المحلل السياسي عبد الباري عطوان (رئيس تحرير صحيفة القدس العربي اللندنية)- إن سورية ليست ليبيا، وزعيمه بشار الأسد وليس معمر القذافي. وموقعه الجغرافي استراتيجي في قلب الشرق الأوسط، حيث يحده من الشرق العراق، ومن الجنوب "إسرائيل"، مضافا إلى ذلك أن المطلوب تسليمهم هم أعمدة النظام الأمنية الرئيسية، وليس ضابط مخابرات بسيط مثل المقراحي المتهم في قضية لوكربي!! أو لأن الأمن في سورية هو عماد النظام الرئيسي وسبب استمراره لأكثر من خمسة وثلاثين عاما، فسيكون التفريط بقادة الأجهزة الأمنية بهذه الطريقة المهينة وتسلميهم للأمم المتحدة لمحاكمتهم ربما يكون بداية النهاية للنظام، بل وقد يتمرد هؤلاء على الحكم السوري بأنفسهم ويسعون لتقديم هذا كقربان للأمريكان والغرب كي يعفون عنهم!!. وحتى لو فعل الأسد هذا فسيجد نفسه وحيدا في مواجهة الضغوط الامريكية، وسينفض من حوله كل حماته من القادة الأمنيين، ولن يجد الدعم الكافي من الجامعة العربية التي سعت هي نفسها للتعاون مع حكومة العراق الموالية للاحتلال تمشيا مع الأوضاع الجديدة هناك
وتبقي عدة ملاحظات على تقرير ميليس تشير إلى مسائل غاية في الأهمية والخطورة هي: 1- أن تقرير لجنة التحقيق الدولية في اغتيال (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق) رفيق الحريري يخدم التوجهات الرامية لنزع سلاح المخيمات الفلسطينية بلبنان بل وإعادة توطينهم هناك بقواعد جديدة، وذلك على خلفية إشارة التقرير لتورط "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة" في لبنان في عملية الاغتيال، إذ أن تورط فلسطينيين يسهم في توفير أجواء لنزع السلاح خارج المخيمات الفلسطينية تمهيدا للانتقال إلى نزع السلاح من الداخل وبالتالي تصفية أي مقاومة محتملة لـ"إسرائيل" من جانب لبنان" وهو ما حذر منه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في حفل إفطار الحزب الأسبوع الماضي.
2- رغم أن اللواء غازي كنعان (وزير الداخلية السوري، ورئيس الاستخبارات السورية في لبنان قبل الانسحاب السوري) هو الشخصية الأهم المفترض أن تكون معنية بالاغتيال، كما أن انتحاره أثار علامات تعجب حول سبب الانتحار، فقد لوحظ أن تقرير ميليس لم يتحدث مطلقا عن اللواء غازي كنعان كمتورط في عملية اغتيال الحريري، الأمر الذي يلقي بالعديد من الشكوك على مسألة انتحاره، ويعطي بعض المصداقية، وهو ما يثير أحد احتمالين، إما أن يكون المصدر السوري الذي ظل التقرير يتحدث عنه دون ذكر اسمه هو اللواء غازي كنعان ذاته وجرى حجب اسمه باعتباره شاهد لا متهم، أو يكون كنعان كان أحد البدائل الأمريكية المطروحة للنظام الحالي كي يقوم بانقلاب قصر ونحره أو انتحاره كان مبررا لعدم ذكر اسمه كي لا يعاد فتح ملفه مرة أخرى.
3- كشف التقرير أن جهات دولية وأمريكية تحديدا تقوم بالتجسس على مكالمات كافة الزعماء العرب، وهو في هذه الحالة حدث في التجسس على جميع المكالمات الهاتفية لـ(الرئيس اللبناني) إميل لحود وكبار مساعديه التي أصبحت مسجلة بالكامل لدي جهة ما في واشنطن وهو ما لم يعلق عليه الرئيس اللبناني واكتفي بالتركيز على نفي أنه وردته مكالمة على تليفونه للاتفاق على قتل الحريري!، وهو نفس ما حدث مع (الرئيس المصري) مبارك أبان خطف السفينة الأمريكية اكيلي لوروا لمعرفة وجهة الطائرة المصرية التي تقل الخاطفين وإجبارها على النزول في قاعدة أمريكية في إيطاليا.
4- التقرير تحدث عن أن السيارة المستخدمة في تفجير الحريري جرى تفخيخها في سوريا ثم عبرت الحدود حتى لبنان، هو تصور غير منطقي بالنظر إلى أن هذا أمر يسهل القيام به في لبنان لو كان صحيحا، كما أن التقرير قال: إن التحقيق لم يكتمل بعد، ترافق التقرير مع إعلان (الأمين العام للأمم المتحدة) كوفي عنان تمديد مهمة فريق التحقيق حتى الخامس عشر من ديسمبر المقبل ومع هذا أثيرت الشبهات فورا ووجهت الاتهامات النهائية لسوريا. 5- هذه التطورات واكبها حديث آخر عن تزايد الدعم الأمريكي للمعارضة السورية في الخارج، حتى وصل الأمر لنشر صحيفة واشنطن تايمز Washington Times مقالا لزعيم حزب الإصلاح السوري المعرض "فريد قادري" تحت هذا العنوان (هل يسقط نظام الأسد)؟ يقول فيها: إن حزب البعث السوري يشهد جملة من المشاكل الخطيرة وأن معظم مقومات سقوطه تلوح في الأفق، وإن تغييرا جوهريا سيطرأ على توازن القوى يصب في صالح الولايات المتحدة وحلفائها ضد "الجهاديين"، إذا ما حلت حكومة جديدة لا ترعى الإرهابيين محل حكومة الأسد!!
لكل هذا كان من الطبيعي أن يدعو الرئيس بوش للتحرك فورا ضد سورية بعد تقرير ميليس، وأن يصف تقرير بأنه مثير للقلق بشدة ويدعو المتحدة للتحرك فورا، يشير إلى عزم واشنطن التحرك ضد سورية، عبر الأمم المتحدة. تقرير ميليس وضع سورية بالتالي على خط المواجهة مع الأمم المتحدة بعدما جري اتهام وزير الخارجية الشرع بأنه أعطى اللجنة معلومات كاذبة، واتهم غزالة بلعب "دورا مهما في المؤامرة"، ويبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمهدون الطريق لفرض عقوبات اقتصادية على دمشق، ثم سياسية وعسكرية بهدف إسقاط النظام في نهاية المطاف.
مع كل الاحترام والتقدير لكاتب المقال إلا أنني أحس باضطراب البوصلة في يده عند تحليل هذا الحدث واختلاط الحقيقي بالإنشائي مع التلويح بتورط ميليس في مؤامرة أكبر على سوريا بل والمقاومة الفلسطينية.. وبغض النظر عن حيادية التقرير الأممي فإن الأسد الصغير وأركان نظامه يصدق عليهم قول المولى سبحانه:"يخربون بيوتهم بأيديهم"..وقد قلت بمجرد اغتيال الحريري إن سوريا متورطة وإن الأسد الصغير فقد الاتجاه ..أما ماذا سيحدث فأعتقد أن الأسد الصغير سينفذ كل المطلوب منه وسيبيع حتى أولاده ليلعق الحذاء الأمريكي ولكن بلا جدوى.. والأيام حبلى بكل جديد فلا الجبهة الديمقراطية مناضلة ولا البعث السوري داعم للمقاومة والجهاد وقولوا الحق أو اصمتوا يرحمكم الله.
طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :