تمكن وزراء الخارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ بعد مفاوضات شاقة من التغلب على خلافاتهم وتوقيع اتفاق إطار لبدء مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد, بعد معارضة نمساوية شرسة وتحفظات قبرصية كادت تعصف بها في لحظة من اللحظات. ورغم شك النمسا وفرنسا، التي قال (وزير خارجيتها) فيليب دوست بلازي: "إن كل بلد في الاتحاد يحتفظ بحق تعليق المفاوضات في أي نقطة ", فإن دعم ألمانيا وبريطانيا كان واضحا في المقابل، حيث عد جاك سترو (وزير الخارجية البريطاني) أن الاتحاد الأوروبي مبني على " القيم وليس التاريخ فقط " قائلا إن تركيا كانت دوما دولة أوروبية.
وقد رحبت تركيا على لسان (وزير خارجيتها) عبد الله غول بانطلاق المفاوضات، حيث عدها نقطة حاسمة في تاريخ بلاده التي انتظرت أكثر من 40 سنة على أعتاب الاتحاد الأوروبي مستفيدة من وضع شريك فقط، ووصف مرحلة إطلاق مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بأنها تاريخية، مشيرا إلى أن بلاده دخلت عهدا جديدا.
الحقيقة الواضحة تشير إلى أن الطريق سيكون طويلا أمام تركيا - التي تطمح لتكون ممثلة للعالم الإسلامي في أوروبا - سيما في قضايا لإصلاحات وتعزيز استقلال القضاء وتحسين وضع الحريات الأساسية وضمان سيطرة مدنية على الجيش, وإصلاح ترسانتها القانونية لتتماشى مع قوانين الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الصدد فإن ما يُـعرف بالشعور القومي المتضخم في تركيا قد يُشكل حاجزاً اجتماعياً ونفسياً أمام مفاوضات انضمام الأتراك للاتحاد الأوروبي، إذ إن تمسك الأتراك بنموذج الدولة الوطنية ذات اللغة الموحدة والثقافة الموحدة يجب أن يتحطم على شواطئ الاتحاد الأوروبي الذي يُشدد على سماح تنوع الثقافات واللغات واللهجات داخل الدولة الواحدة ومن هنا ينبع الاختلاف في وجهات النظر بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول كيفية حل ما يسمى بالقضية الكردية في تركيا التي تشكل إحدى أهم العقبات أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
وتدرك الحكومة التركية مدى التأثير السلبي لاستمرارية الملف الكردي المفتوح على صورة تركيا في المجتمع الدولي ولا سيما الاتحاد الأوروبي التي تسعى جاهدة للانضمام إليه، ويردد مسؤولوه في كل مناسبة أن مسألتي الديمقراطية وحقوق الإنسان أساسيتان لقبول تركيا في عضوية الاتحاد، حيث يولي الاتحاد الأوروبي لهذا الملف اهتماماً بالغاً, ويقيس من خلاله مدى تغيير المفهوم السياسي لدى الأتراك عن الدولة والديموقراطية وحقوق الإنسان, وبعدما أقدمت أنقرة على إقرار إصلاحات عدة في هذا الشأن والتفّت على موضوع الاعتراف بوجود لغة كردية فقط بجانب اللغة التركية, وذهبت إلى إعطاء جميع الاثنيات والأعراق في تركيا حقوق النشر والتعليم باللغة الأم من دون تحديد لغة بعينها.
حزب العدالة والتنمية والملف الكردي مؤخرا شهدت القضية الكردية في تركيا مستجدات مهمة أعقبت زيارة (رئيس الوزراء التركي) رجب طيب أردوغان للإقليم في شهر أغسطس الماضي والتي تعد الأولى له، حيث تعهد أردوغان لمَن استقبله من القاطنين الأكراد ولقيادتهم السياسية والاجتماعية بمزيد من الديمقراطية والحقوق المدنية والازدهار حلا للقضية الكردية، وحاول أردوغان بكلامه هذا طمأنة السكان الأكراد بأن العمليات المسلحة التي استأنف عناصر حزب العمال الكردستاني شنها على أهداف مدنية وعسكرية لن تؤثر على عملية حل المشكلة الكردية ديموقراطيا ضمن عنوان الإصلاحات السياسية التي دخلتها تركيا على أكثر من مجال. كما شدد كذلك في خطابه في ديار بكر على الفصل بين القضية الكردية وبين قضية الإرهاب أي حزب العمال الكردستاني، الذي لا يزال أساس الخطاب الرسمي التركي منذ بدء نشاط حزب العمال الكردستاني عام 1984.
في الواقع، الاعتراف الرسمي بوجود المسالة الكردية في تركيا ليس بالأمر الجديد، ففي عام 1991 تحدث (رئيس الحكومة السابق) سليمان ديمريل عن واقع كردي في زيارته إلى جنوب شرق الأناضول، وفي عام 1993 تحدثت تانسو تشيلر (رئيسة الحكومة السابقة) عن نموذج يشابه الباسك لحل المشكلة الكردية في تركيا. ورغم ذلك عمدت الدولة التركية تقليديا إلى التعاطي العسكري مع قضية الأكراد أساسا. وتعليقا علي تصريحات أردوغان أثناء زيارته إلى الإقليم الكردي اعتبر (رئيس حزب العمال الكردستاني) زبير ايدار في بيان أن تصريح اردوغان مهماً، لكن ما يهم هو كيفية تطبيق مضمونه، مضيفا أن رؤساء وزراء أتراكاً آخرين أقروا بالحقيقة الكردية، لكنهم أرسلوا دباباتهم ومروحياتهم وطائراتهم إلى جنوب شرق تركيا بدل حل المسالة سلميا. إلا أن هذا لا ينفي أن تركيا تتخذ خطواتها في السياسة الداخلية والخارجية بما يتفق مع نهجها السياسي نحو انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
وعلى العموم، فقد امتاز الإسلاميون الأتراك على مر تجاربهم وخبراتهم المتراكمة في الحياة السياسية والاجتماعية والتي تجلّت بتشكيل حزب العدالة والتنمية للحكومة التركية بتبنيهم مشروعهم الخاص إزاء الأقليات القومية والدينية والطائفية، متمايزاً عن ذلك الذي تبنته النخب بصنفيها العلمانية والقومية المتطرفة. ورغم الاختلاف والتباين الظاهر من الناحية الفكرية والسياسي مع حزب العمال الكردستاني ومناصريه، فحسب ما يؤكد المتخصصون في الشأن التركي، كان إسلاميو تركيا باستمرار ضد السياسة العامة التي انتهجتها الدولة التركية في التعامل مع الملف الكردي والتي غلّبت فيه العمل العسكري، بمقابل تأكيدهم المتواصل على ضرورة التزام الحوار والعودة إلى قيم ما أطلق عليها السياسي المخضرم نجم الدين أربكان " الأخوة الإسلامية " لحل المعضلة الكردية، وغيرها من المشاكل ذات الطابع القومي والطائفي. وفي هذا المضمار، نال الإسلاميون في مختلف تجاربهم الانتخابية سيما البلدية الجزء الأكبر من أصوات المواطنين الأتراك من أصل كردي قياسا بسائر الأحزاب التركية الأخرى، مثلما فاز حزب العدالة والتنمية بالغالبية القصوى للمقاعد البرلمانية الخاصة بأقاليم الجنوب الشرقي التركي، حيث يشكل الأكراد الغالبية السكانية. ولا غرابة من ذلك إذا علمنا بشعبية الفكرة الإسلامية في صفوف الأقلية الكردية التي عانت من عمليات اضطهاد متواصل على أيدي النخب العلمانية والعسكرية المهيمنة على القرار في تركيا.
ويعد أردوغان أن المشكلة الكردية ليست مشكلة فئة واحدة من الشعب التركي، بل إنها مشكلة الجميع، وأيضا مشكلته هو، حيث يوضح في إحدى تصريحاته إلى أن حزب العدالة والتنمية يهدف إلى استئصال كل التمييز العرقي والمناطقي في تركيا، متعهدا بدعم أهالي ضحايا الإرهاب.
ويدرك قادة حزب العدالة والتنمية والحكومة التركية الحالية أنه لن يكون بمقدورهم حل المشكلة الكردية في إطار تركي صرف، حيث لا تزال نظرة قومية متطرفة ضيقة تهيمن على النخبة السياسية والعسكرية على السواء، وبهذا يدركون أن الطريف إلى أوربا قد تكون أفضل سبيل ليساعدهم على تحسين أوضاع الأكراد وبالتالي غيرهم من أبناء القوميات غير التركية.
وفي هذا الصدد، وبحسب المحللين، يطمح رجب طيب أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى حل للمسألة الكردية، شبيه بذلك الذي توفر للكثير من الأقليات القومية والدينية في عدد من دول الاتحاد الأوربي، ويقوم بالأساس على معادلة واقعية هي التنوع في إطار الوحدة، وهذا يتطلب من القومية التركية أن تعتمد آليات جديدة منفتحة على غرار القوميات الأوربية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحو يلتقي مع حقيقة القيم الإسلامية التي شجعت على التعايش بين الشعوب والقبائل.
هل يحسم الملف الكردي المشروع الإسلامي المطروح لمعالجة المسألة الكردية لم يمنع أردوغان من التحدث بلهجة تهديد بالتصرف الفردي ضد أفراد حزب العمال الكردستاني أثناء لقائه على هامش اجتماع قمة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي مع الرئيس الأمريكي، حيث قال بأن الحكومة التركية ستتخذ الخطوات الضرورية إذا لم تقمع القوات التي تقودها الولايات المتحدة أو القوات العراقية المتمردين الأكراد من تركيا في شمال العراق. ولا تخفي الحكومة التركية عزمها على الالتفات إلى المسألة الكردية لحلها من جذورها, ولكنها لا تزال تنتظر زوال تأثير حزب العمال الكردستاني المسلح على الفصائل السياسية الكردية من أجل بروز نخبة سياسية كردية مستقلة تبدي مرونة أكبر في التعامل مع الظروف السياسية, فقد كان من اللافت استقبال (وزير الخارجية) عبدالله غول للنائبة السابقة ليلى زانا ورفاقها الأربعة بعد الإفراج عنهم السنة الماضية إثر قضائهم 10 سنوات في السجن بتهمة دعم حزب العمال الكردستاني، وهي خطوة سياسية هدفت إلى مساندة رؤية منفتحة من داخل الأقلية الكردية قادرة على استقطاب التوجهات العقلانية والواقعية في المجتمع الكردي. فقد تجدد العنف في جنوب شرق تركيا في حزيران/يونيو 2004 بعد هدنة استمرت خمس سنوات عندما أنهى حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق النار الذي كان أعلنه من جانب واحد معتبرا أن أنقرة لم تقم بعمل كاف لمنح الأكراد الحريات التي يطالبون بها. وازدادت هجمات حزب العمال الكردستاني بشكل ملحوظ منذ نيسان/أبريل من العام الحالي. ودعا حزب كونغرا جيل الذي يعد الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني في 19 آب/أغسطس الماضي من جانب واحد إلى وقف العمليات العسكرية للمتمردين حتى 20 أيلول/سبتمبر. أردوغان الذي حمل بيده غصناً أخضر في زيارة إلى ديار بكر أكد أنه لن يتخلى عن استخدام الجيش للتصدي لنشاطات حزب العمالـ الذي أعد أعماله إرهابية وقال إن الإرهاب والعنف عدوا لتركيا ولن يتم التسامح إزاءهما أبداً، مؤكدا على حزم لا هوادة فيه في التصدي للعنف.
ويمكن القول: إن عمليات حزب العمال الكردستاني وانعدام الاستقرار الناجم عنهما، من شأنهما إنزال الضرر بالأيديولوجيا الرسمية للدولة وتزايد اغتراب أعداد كبير من الأكراد عن مؤسسات الدولة والهوية التركية. ويكشف ذلك بقوة، وهمْ الإجماع القومي التركي. من الواضح أيضا أن المسألة الكردية لا يمكن أن يتم تجاهلها مثل السابق، فهناك الكثير من التطورات حدثت في المنطقة منذ احتلال العراق وفي مقدمتها تعزيز الهوية الكردية في العراق وتقوية شوكتها وحصولها على إنجازات متتالية من الحقوق، وبالطبع فإن ذلك سيؤثر على المسألة الكردية في تركيا.
السؤال الأساسي المطروح في هذه المرحلة على الدولة التركية هو مع مَن تتحاور تركيا لكي تصل إلى معالجة هذه المسألة؟ فقد أفرزت الساحة الكردية طرفان كرديان ظاهران الأول الاتجاه السياسي الشرعي وهم الأحزاب أو الممثلون المُعترف بهم قانونيا من قِبل الدولة التركية في الأناضول وهم الآن الحزب الشعبي الديمقراطي ورؤساء البلديات في تلك المنطقة، والطرف الآخر هو الاتجاه العسكري المتمثل في حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة إيمرالي.
في المقابل فإن ما تعترض عليه النخبة السياسية والعسكرية بخصوص تسوية الملف الكردي هو أن تؤدي الصيغة حتما إلى مفاوضة عبد الله أوجلان وليس الممثلون في جنوب شرق تركيا، غير أن هناك مؤشرات مهمة تسير في اتجاه آخر، فهناك جهود استُأنِفت لتأسيس حزب كردي جديد يحل محل الحزب الشعبي الديمقراطي تقوده ليلى زانا التي أفرج عنها الأتراك السنة الماضية وعولوا عليها لكي تكون ممثلة للطيف العام الكردي في تركيا بدلا من عبد الله أوجلان وهذه الحركة هي حركة المجتمع الديمقراطي.
اعتقد ان حل مشكلة الكرد يبدأ بالأعتماد على الله وثانيا على توحيد الجهود والكلمة الواحدة وتوفير القوة والسلاح المتطور والسياسة المعتدلة وبيان مظلومية الكرد المسلمين ولاحول ولاقوة الا بالله
طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :
بالأعتماد على الله وثانيا على توحيد الجهود
والكلمة الواحدة وتوفير القوة والسلاح المتطور
والسياسة المعتدلة وبيان مظلومية الكرد المسلمين
ولاحول ولاقوة الا بالله