بين النحر والانتحار!

عبد الحق بوقلقول  | 15/9/1426

لا شك أن كل متتبع لخبر وفاة (وزير الداخلية السورية) اللواء غازي كنعان يكون قد لاحظ أن أغلب الآراء المعلقة عن هذا الأمر تتجه نحو إدانة السلطات السورية بالوقوف وراء الأمر وبأنها هي من قام في الواقع بتصفية الرجل الذي ظل وفياً للنظام العلوي الحاكم في دمشق طيلة عقود من الخدمة حتى اقتضت الضرورة الإقدام على التخلص منه بهذه الطريقة الهيتشكوكية.

أنا لا أرغب في الخوض في حديث على هذه الشاكلة؛ لأنني أساساً لا أرى أي اختلاف بين أن ينتحر من هو في مثل موقع هذا الشخص من أن ينحر، بما أنه يمثل شخصية معنوية أكثر منها حسية بمعنى أن مقتل الرجل بهذه الطريقة هي خسارة للنظام السوري برمته ولا يمكن الاقتصار على القول بأنها خسارة لأسرة كنعان لوحدها بما أن اللواء غازي يمثل أحد أركان النظام مما يعني أن فقده قد يحدث حالة فقد توازن خطيرة قد لا تستقر حتى تذهب بالاستقرار برمته.

ما معنى أن ينتحر الرجل بهذه الطريقة؟
هنالك تساؤل يراودني وأرغب في إيجاد إجابة شافية له مفاده كيف يقدم هذا اللواء على فعل ما فعله في مكتبه في دمشق؟ ألم يكن قادرا على فعل هذا الأمر في بيته مثلما تتم الانتحارات عادة؟ أن يأتي الرجل إلى مكتبه ثم يقرر الانتحار هكذا فجأة يعني أنه يكون قد تلقى خبرا جعله يفقد تركيزه ويقرر الإقدام على هذا الفعل!
ولكن أليس الرجل من قدماء جهاز الاستخبارت السورية بمعنى أنه يفترض أن يكون فيه حد من التوازن والقدرة على ضبط النفس زيادة على أنه كان يتوقع أن يكون في موضع الخطر حينما يصدر تقرير ديتليف ميليس حول قضية الحريري مما يعني أنه ما يزال يملك الوقت الكافي في سبيل تنظيم حل للمشكلة التي قد تواجهه ولا اشك في أنه من الصنف الذي يستطيع تدبير مثل هذه الحلول في أسرع الأوقات علما وأن تقرير القاضي الألماني ما يزال قيد التحضير ولن يُعلن عنه قبل شهر على الأقل.

انتحارات العرب
لا تحضرني تفاصيل الكثير من القضايا المتشابهة مع القضية الحالية، ولكنني أذكر مثلا أن وزير الداخلية الجزائري في سنوات السبعينيات وهو المسمى "أحمد مدغري" كان قد عرف نفس المصير ولكن الغريب في الأمر أن الرجل كان ضابطا من ضباط حرب التحرير الوطنية عندنا مما يعني أنه كان متمرسا على الأسلحة النارية؛ لأنه أولاً وأخيراً رجل عسكري محترف. إلا أن الغريب في قضية هذا الوزير الشاب وقتها أنه لم يوجد "منتحرا"، واكتشف المحققون أن الضابط هذا كان قد أخطأ التصويب ناحية رأسه؛ لأنه أصاب الحائط قبل أن يصيب رأسه!

تحضرني هذه القصة وأنا الآن بصدد معايشة أخرى تشبهها كثيراً ولا تختلف عنها في الحقيقة إلا في المسميات لأنني لا أستطيع أن افهم مثل هذه الأمور التي صارت تحدث فجأة في عالمنا العربي المضطرب أصلاً والذي زادت بلة طينه منذ سقوط نظام البعث في العراق بطريقة تجمع كل الآراء أنها كانت منافية للشرعية الدولية بما أن الولايات المتحدة أقدمت على حرب العراق من غير أن تكون لها الرغبة في تضييع المزيد من الوقت بواسطة مرورها عبر القنوات الطبيعية والآليات التي أوجدتها الدبلوماسية العالمية من أجل حل هذا النوع من النزاعات.

كلنا نعرف أن قضية اغتيال (رئيس وزراء لبنان الأسبق) رفيق الحريري باتت مع الأسف تمثل نفس تلك القضية التي نعرفها تاريخيا تحت مسمى "قميص عثمان" مما يعني أن المعارضة اللبنانية ومن ورائها "المجموعة الدولية" لا ترغب في التحقيق في هذه المسألة حرصاً منها على التمكين للحقيقة ومحاسبة الجناة فحسب؛ لأن الواقع هو أبعد كثيراً عن مجرد هذا التفسير الرومانسي الذي يعتمده أولئك الذين صرنا نسميهم "الليبراليون الجدد" وكل السائرين في فلكهم والمنبهرين بأطروحاتهم.
نحن إذن متفقون على أن ما يحدث لا يتعلق فقط بمحاولة القصاص العادل ولكننا في المقابل أيضا لا نستطيع أن نفهم سبب إقدام هذا الرجل على فعل ما فعله ولا حتى سبب إقدام الجهة التي رتبت هذا "الانتحار" الهوليودي؛ لأن المنطق يقتضي الجزم بأن من فعل هذا يخشى ما سوف تظهره التحقيقات وأن كنت شخصيا من الذين ما يزالون يصرون على استبعاد فرضية تورط سوريا في مقتل الحريري لأسباب جلية لا تخطئها العين.

إن ما وقع في ذلك الصباح بدمشق، في تقديري، هو رسالة واضحة الدلالة مفادها أن ترتيبا عالي المستوى هو قيد التحضير من أجل الطي النهائي لهذا الملف إذ سيكون من المناسب جدا أن تلصق التهمة برمتها ضد الرجل من غير الضرورة إلى أن يكون هو الفاعل لأن بعض الألعاب القذرة تستلزم عادة مثل هذه الممارسات التي تهدف إلى سحب البساط من تحت أرجل المتاجرين بالقضية من أساسها.

هل تتمكن هذه الحالة الشاذة من الاستمرار؟
إن نظام البعث الماسك بزمام السلطة في دمشق مند أكثر من ثلاثة عقود حاليا والذي أضاف للمعايير الجمهورية واحدة من أكثر سيناريوهات التداول على السلطة كاريكاتورية من خلال ذلك الديكور المفضوح الذي جعل الدستور السوري يتغير بسرعة قصوى من أجل أن يتمكن الولد بشار من خلافة أبيه الذي لم يتمكن رغم الدهاء الذي يقال بأنه اشتهر به، من أن يبرمج تاريخاً محدداً لوفاته.
النظام الذي أرساه حافظ الأسد هناك هو في الواقع واحد من أكثر الأنظمة شمولية في عالمنا العربي إذ أنه يستند أساسا على اختيار كبار رجالاته من بين طائفة صغيرة جداً من النسيج المجتمعي في بلاد الشام ونعني بها هنا "الطائفة العلوية" التي تقوم على خلط عجيب من المرجعيات الشيعية والسنية والدرزية وحتى التـدمرية -نسبة إلى تدمر- وتقوم الدولة هناك بتعيين أكثر الموالين وأقربهم من الرئيس، شخصيا، نسبا في المراكز الحساسة إذ يكفي أن نتحدث عن ماهر الأسد (شقيق بشار)، والذي هو حالياً قائد الحرس الجمهوري وأن نتذكر مثلا الدور الذي كان يلعبه رفعت الأسد (عم الرئيس الحالي)، والذي قبل أن يحدث الشقاق بينه وبين أخيه كان يمثل في الواقع شخصاً فوق القانون من غير أن ننسى "باسل الأسد" الابن الأكبر لحافظ، والذي كان يفترض أن يكون الوريث لوالده لولا أن الأقدار كانت تخبئ له شيئا آخر بما أنه توفى فجأة وهو في ريعان شبابه وقوته، مما شكل ضربة غير متوقعة لحافظ الذي لم يكن يعول وقتها كثيراً على الدكتور المقيم في بريطانيا، والذي صار بعد ذلك رئيساً لهذه الدولة التي تعد إحدى أكبر البلاد العربية ثقلا وأهمية.

هل ما تزال القائمة مفتوحة حتى ينتحر هؤلاء؟
كلنا نتذكر أن الوزير السوري كان خلال العام الحالي محل اتهام مباشر من قبل الإدارة الأمريكية بالوقوف وراء اغتيال الحريري على الرغم من أن الرجل كان قد عاد إلى دمشق منذ العام 1996 إلا أنه في الواقع خلف وراءه في لبنان شبكة استخباراتية واسعة كان هو من وقف على تشكيلها قبل أن يترك أمر تسييرها للواء رستم غزالة، الذي اضطرت دمشق إلى سحبه من بيروت تحت وقع الضغوطات الدولية المركزة طيلة العام الجاري والذي يقال بأن مهمته صارت تحت الإشراف المباشر انطلاقا من مكتب المخابرات العامة في ريف دمشق، للجنرال شوكت أشرف.
هنالك أيضا الجنرال علي مملوك (المدير العام للاستخبارات الداخلية)، والذي خلف مؤخراً اللواء هشام بختيار الذي صار المشرف العام على مكتب الأمن الوطني بحزب البعث منذ مؤتمره الأخير من غير أن ننسى طبعاً الحرس القديم الذي يأتي في مقدمته كل من (نائب الرئيس السابق) عبد الحليم خدام، بالإضافة إلى كل من اللواءين مصطفى طلاس وحكمت الشهابي.

قبل أن يصير ربيع دمشق خريفاً:
حينما اختتم حزب البعث أشغال مؤتمره القطري العاشر في جو احتفالي بهيج في التاسع من شهر يونيو الماضي، خرج الملاحظون بجملة من النتائج ذهبت كلها إلى أن نظام "آل الأسد" وضع لنفسه ثلاث خطوط حمراء لا يجب تجاوزها في سبيل الحفاظ على النظام المستمر منذ 1971، وهذه الخطوط هي:
- لا مجال لعودة رفعت الأسد
- لا مجال للاعتراف بتنظيم "الإخوان المسلمين" تحديدا من بين كل التنظيمات
- لا مجال للتفكير في تغيير حالة الأقلية الكردية في الشمال الشرقي من البلاد
هذه الخطوط هي في الواقع قرارات اتخذها "مجلس العقلاء" وهو المجلس الذي أسسه حافظ الأسد في العام 1985 بعد أن جرى عزل رفعت، ويتكون من شخصيات غير معلنة بما أنه لا وجود رسمي له والغريب فيه أن كل هذه الشخصيات هي ما يمكننا وصفه "مجلس العائلة" بما أنها كلها من الطائفة العلوية التي تملك في الواقع الحق المطلق في تحديد سياسة الدولة ولا مكان لهيئة أخرى على هذا القدر من الأهمية بما أن كل تلك الصور التي نراها في أجهزة إعلام سوريا الرسمية لا تعدو أن تكون صوراً موجهة للاستهلاك الإعلامي.

هذه هي الحقيقة والتي بمعرفتها سوف يكون في مقدور أي كان أن يعرف حجم الانحطاط الذي بلغته دولنا لأن الحديث عن وجود صراع بين الحرس القديم والجديد أو التشدق بمحاولات الإصلاح الداخلية، لا تعدو في رأينا أن تكون غير مراوغات لا طائل من ورائها بما أن الإصلاح والتفتح والتطوير لن يتحقق في أرض الواقع إلا حينما تزول مثل هذه الذهنيات البدائية من واقع بلداننا؛ لأن الحقيقة أن الحالة السورية ليست حالة منفردة، إذ بإمكاننا أن نلاحظ أمثلة كثيرة منها هنا وهناك.
فهل يقدم الذين ما يزالون يفضلون الولاء لله على مثل هذه الولاءات على تغيير هذا الراهن؟ شخصياً لا أجد غير هذا المخرج وأن كنت، في غير تشاؤم، أستبعد حدوثه بين عشية وضحاها.




  

معك كل الحق فى كل كلمه قلتها وان هذه الحقيقه واتمنى من الله ان يظهر الحقيقه دائما


مع تحياتى ............عمرو الجمل
الاميل /AMR_HAMADA224455@YAHOO.COM
معك كل الحق فى كل كلمه قلتها وان هذه الحقيقه واتمنى من الله ان يظهر الحقيقه دائما


مع تحياتى ............عمرو الجمل
الاميل /AMR_HAMADA224455@YAHOO.COM

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

طلب مصر من حماس استئناف المفاوضات هو إشارة لرغبة ( إسرائيل ) في البحث عن مخرج لها من حرب غزة :

الارشيف